ملا محمد مهدي النراقي
130
جامع السعادات
الكشف الذي هي المشاهدة واللقاء في المعلومات الخارجية عن الخيال ، فإذا ارتفع بالموت حجاب البدن ، وخلصت النفس ، لم يكن بعد في غاية التنزه عن كدورات الدنيا ، بل كانت ملوثة بها ، إلا أن النفوس مختلفة في ذلك : فمنها : ما تراكم عليه الخبث والصدى ، فصار كالمرآة التي فسد بطول تراكم الخبث وجوهرها ، فلا تقبل الإصلاح والتصقيل ، وهؤلاء هم المحجوبون عن ربهم أبد الآباد ، نعوذ بالله من ذلك . ومنها : ما لم ينتهي إلى حد الرين والطبع ، ولم يخرج عن قبول التزكية والتصقيل ، وهذه النفوس غير متناهية الدرجات والمراتب ، إذ المتلوث بالكدورات عرض عريض في ( الواقع ) بين الرين والطبع ، وبين التزكية التامة والتجرد الكلي الذي لم يكن فيه شوب من الكدورات ، وهذه النفوس المتلوثة على اختلاف درجاتها ومراتبها تحتاج إلى التطهير لتستعيد للمشاهدة واللقاء بتجلي الحق فيها ، وتطهيرها إنما هو بنوع عقوبة من العقوبات الأخروية ، وهي كمراتب التلوث غير متناهية الدرجات ، أولها سكرة الموت ، وآخرها الدخول في النار ، وما بينهما عقوبات البرزخ وأهوال القيامة بأنواعها ، فكل نفس لا بد لها من عقوبة من هذه العقوبات لتتطهر من كدوراتها : فمنها : ما يتطهر بمجرد سكرة الموت وشدة النزع ، ومنها ما يتطهر بها ، وينقص عقوبات البرزخ ، ومنها ما لا يتطهر إلا بأن يذوق بعض عقوبات الآخرة ، ومنها ما لا يحصل تطهيره إلا بالعرض على النار عرضا يقمع منها الخبث الذي تدنست به ، فربما كان ذلك لحظة حقيقية ، وربما كان سبعة آلاف سنة - كما وردت به الأخبار - وربما كان أقل أو أكثر ، ولا يعلم تفصيل ذلك إلا الله سبحانه ، والمحجوبون الذين بلغوا حد الرين والطبع يكونون مخلدين في النار . ثم النفوس القابلة للتطهير إذا أكمل الله تطهيرها وتزكيتها ، وبلغ الكتاب أجله ، استعدت حينئذ لصفائها ونقائها عن الكدورات لأن تتجلى فيه جلية الحق ، فتتجلى فيها تجليا يكون انكشاف تجلية بالإضافة إلى ما علمته وعرفته كانكشاف تجلي المرئيات بالإضافة إلى المتخيلات ، وهذه المشاهدة والتجلي تسمى رؤية ، لأنه في الظهور والجلاء والوضوح والانكشاف كالرؤية بالبصر ، بل هو فوقه بمراتب شتى ، إذ الرائي في الأول العقل ،